الاثنين، 20 نوفمبر 2017

أحمد حجازى وثورةُ يوليو






أحمد حجازى وثورةُ يوليو



الشعر صعب. وبعض صعوبته أن الشاعر لا يمكنه أن ينظم إلا إذا كان صاحب هم. والهموم أنواع كما أبلغنا قديمًا امرؤ القيس. ومن أشدِّها ما يتعلق بالأمة حين تنتابها النوائب وتطلب ما يشدُّ أزرَها فى مواجهتها فلا تجد. وذلك عند الشاعر الشاعرِ الهمُّ الأكبر. يريد الشاعر أن يكون فعَّالًا مقدامًا، ويريد لأمته-وخصوصًا فى وقت المحن- أن تكون كذلك جسورة لا تبالى الخطر حين يجد الجِدُّ. وهو يستاء جدًّا إذا أمَّلَ ولم يجد عُقبى تأميله إلا الخَور والقعودَ والنكوص. فما بالك إذا كان الأمل طويلًا عريضًا ناشرًا جناحيه بين السماء والأرض وكانت عقباه خيبةً بحجم هزيمتنا في خامس يونيو عام سبعة وستين؟ تلك الهزيمةُ الساحقة الماحقة التى ما يزال أثرها قائمًا فينا حتى اليوم؟!
كان مما قُدِّر لأحمد حجازى أن يشهد ذلك الزلزال العظيم. وأن يرتجَّ ارتجاجًا كان يمكن -لولا لطف الله به- أن يقضى عليه. أسعفه الشعر. وتلك مزيّةٌ من مزايا ذلك الفن الخالد، أن يكون معينًا للناس فى زمن المحن، ولو إلى حدًّ ما.
ما الذي جرى فى ذلك اليوم على التحقيق؟ وسؤال لا يقل صعوبة، وما الذى جرى كذلك على التحقيق سنة اثنتين وخمسين بشأن ما سُمِّى بثورة يوليو؟ لا جواب. أليس هذا بعجيب ؟ أجلْ، إنه لعجيب بلا ريب. كيف يجوز لأمة أن تبقى جاهلةً تاريخَها أكثر من نصف قرن، لا تدرى عنه إلا قشورًا لا غَناء فيها؟ ولا تقلْ إنى أسرفت لمَّا قطعتُ بانتفاء الجواب. لدىَّ دليل لا يُدفع. وهو قريب. فما عليك لتستوثق من صحة زعمى إلا أن ترجع إلى صيحفة كالأهرام وتنظر فيما كتبه المتخصصون فى شئون السياسة من كُتَّابها بمناسبة ذكرى يونيو وذكرى يوليو مفتشًا عن نقطة ضوء تعينك على فهم ما جرى في حقائقه لا فى قشوره، فإنك لن تجد ما يكفى أو يشفى، بل ستجد أحيانًا إقرارًا صريحًا بأن ما جرى فى تلك الحقبة كلها لغز ضخم.
وكان أحمد حجازى أسبق فى الإقرار. في "مرثيَة للعمر الجميل" نصٌّ صريحٌ على التَّيَهان وضياع الدليل.
وهنا أعود إلى كلمة سابقة عن "أحمد حجازى" وعمود الشعر، رأى فيها بعض الناس لشدة إيجازها شيئًا من الغموض. ذكرتُ في بدايتها أن السفير الأمريكى "كافرى" كان في وداع "فاروق" في رحلته الأخيرة عن مصر مجبرًا على التخلّى عن العرش. قيل لى ما الذى قصدته بهذه الإشارة؟
قلتُ: ما قصدتُه واضح؛ التنبيهُ إلى العِلَّة، ثم إلى ما بعدها من نتائجَ بطبيعة الحال. لماذا كان "كافرى" هناك ؟ لماذا ذهب إلى "فاروقٍ" يقنعه بألا يقاوم وأن يرحل في سلام؟
ليس عبثًا بطبيعة الحال! لم يكن "كافرى" "فاعلَ خير" كما نقول في عامِّيتنا. وإنما كان رسول دولة أجنبية، رسولَ القوة الأمريكية المتصدِّية لحكم العالم، والتي لها بطبيعة الحال "مآرب خاصة" في حكم العالم العربي خصوصًا ودفعه إلى حيث تريد.
قلتُ في تلك الكلمة السابقة إن أحمد حجازى كان غلامًا في ذلك الوقت. لهذا فالأرجح أنه لم يلحظ أن "كافرى" كان فى وداع الملك، ولو أنه كان لَحَظَ فقد كان من العسير عليه إدراك الدلالة. كان الأفق يلمؤه غبش. وأقول الآن إن الغبش القديم تكاثف الآن حتى منع كتاب "الأهرام" -وهم صفوة- أن يجدوا ولو نقطةَ ضوء واحدةً تنير لهم السبيل إلى الفهم. وهاكم مثلًا واحدًا. فى كلمة جعل عنوانَها "نكسةُ يونيو بعد نصف قرن" قال مصطفى الفقى إن ما سماه "نكسةَ يونيو" ما زال جاثمًا على صدرونا، وفي محاولة للتفسير زعم أن عبدالناصر استُدرج إلى الحرب كيدًا له ولنا لضرب ما سماه "المشروعَ القومىَّ" الذي "يقوده" ولضرب مشروع آخرَ سماه "المشروعَ المصرىَّ النهضوىَّ" الذى تعرَّض لضربات سابقة في أزمنة مختلفة. وكأن إسرائيل كانت واثقةً كل الثقة من نجاح ضربتها وإصابة المشروعيْن في مقتل. وكأنه ليس من الوارد - حتى عقلًا - أن تُهزم إسرائيل! وواضحٌ أن هذا التعليل عامٌّ شديد العموم، وأن الذى نحن في حاجة إليه هو "الخاص" شديدُ الخصوص، الذى يكشف لنا فى جلاء علاقة الولايات المتحدة بما جرى ذلك العام، وقبل ذلك العام، وبعد ذلك العام حتى الآن، وربما إلى ما بعد.
ليس من غرض هذه الكلمة الفحصُ التاريخىُّ عن تلك المسألة العسيرة، وإنما غرضُها الأول كيفيةُ مواجهة الشاعر لها، هذه الكيفية جزء لا يتجزأ من نسيج شعره المنظوم فى عبدالناصر. ولا يمكن للناقد أن يوفى هذا الشعر حقه من الدرس بغير التوقف المتمعِّن عند فهم الشاعر للأحداث. إن هذا الفهم هو الفاعل الأول فى إحساسه بتلك الأحداث وفي صوغ الصور المختلفة التى جادت بها قريحته تعبيرًا عنها. الفهم إذَنْ لازم، وإن كان على نحو مختلف عما هو لازم للدرس التاريخىِّ. ولكن أحمد حجازى كاتب إلى جانب كونه شاعرًا. ونحن إذا أردنا تقويم شعره في عبدالناصر فنحن مضطرون إلى النظر فى فكره المجرد، أى بعيدًا عما يكشف عنه الشعر. أو فلنقل فى فكره النثرىِّ. أحمد حجازى كاتب سياسىٌّ يكاد يكون محترفًا. فماذا تقول لنا مقالاته السياسية بشأن ثورة يوليو؟! يعلم المتتبع لها علمًا شديد الوضوح أنه منكرٌ لها، ناقد، لائم، وربما وجدناه أحيانًا مزريًا بها حانقًا عليها. وهنا كأن ملامح مأساةٍ ترتسم أمامنا. الوجدانُ فى طرف والعقل فى طرف، أو لنقل الشعر فى طرف والنثر فى طرف، وبين النقيضيْن رجل قُدِّر له أن يحار، أن يتيه، أن يضيع، كما تنبؤنا قصيدتُه "مرثيَة للعمر الجميل". في كلمتى السابقة عن عمود الشعر قلتُ تعقيبًا على عنوان القصيدة إنه يريد بالعمر الجميل العهدَ الذى هنئَ فيه بالأمانىِّ الأثيرة والأحلام التى زخرفتها ثقة لا حدَّ لها بالزعيم. وأريد الآن أن أتابع ذلك التعقيب إيضاحًا لملامح ما سميتُه بالمأساة.
يقول الشاعر:  إنني قد تبعتك من أول الحُلْم ... ورحلتُ وراءك من مستحيل إلى مستحيل ...
كنت أمشى وراء دمى ... آه هل يَخدع الدم صاحبهُ ... هل تكون الدماء التى عشقتك حراما؟!
وفي موضعٍ آخرَ يقول:
 صاح بى صائح: لا تصدِّقْ ... ولكننى كنتُ أضرب أوتار قيثارتى، باحثًا عن قَرارة صوتٍ قديم.
ويقول في موضع ثالث:
آه يا سيِّدى ... كم عطشنا إلى زمن يأخذ القلب
قلنا لك اصنعْ كما تشتهى
وأعدْ للمدينة لؤلوة العدل لؤلؤةَ المستحيل الفريدة
صاح بى صائح لا تبايعْ
ولكننى كنتُ أضرب أوتار قيثارتى باحثًا عن قرارة صوت قديم
لم أكنْ أتحدث عن مَلك
كنتُ أبحث عن رجلٍ أَخبر القلبُ أن قيامته أوشكتْ
كيف أعرف أن الذى بايعتْه المدينةُ ليس الذى وعدتْنا السماءْ ؟!
قلتُ إنها "ملامح" لكنى أقول الآن إنها مأساة واضحة المعالم، كاملة الأركان. أمة تبحث عن رجل لا عن مَلِك، ولما جاءها الرجل المنشود إذا به خِلقةٌ حجريةٌ، لا صلةَ بينه وبين المنتظر المرجوّ. حسِبْنا أن السماء استجابت لكنها شاءت أن تفجعنا فى الأمل المنشود. وها نحن الآن بعد أكثرَ من نصف قرن -شعراءَ وغيرَ شعراء- ننظر من حولنا فلا نجد إلا الغبش،
وإلا نخبةً مضطربةً ضعيفةً لا تقوى على شىء ولا يحفزِها شىء إلى طلب القوة.
أعان الله شاعرنا على الصبر، وكما دعوتُ له فى الكلمة السابقة أدعو له مرةً أخرى في ختام هذه الكلمة، مدَّ الله فى عمره ومتَّعه بالصحة والعافية.


الحسانى حسن عبدالله

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017

بعضُ الخفىِّ في سيرة العقاد

بعضُ الخفىِّ في سيرة العقاد


قيل قديمًا في المتنبى إنه ملأ الدنيا وشَغَل الناس. ولو أريدَ للكلمة أن تصدُقَ على أحد في العصر الحديث لكان العقاد أجدرَ الناس في زعمى بأنْ يكونَه. أجلْ، هو كذلك ملأ الدنيا وشَغَل الناس. لكن فرقٌ بين مَلءٍ وملءٍ، وشَغلٍ وشغل. كان المتنبى جوَّاب آفاق، أما العقاد فكان كالقابع في بيته لا يفارقه إلا ليعود إليه، أشْبهَ ما يكون برهين المحبسيْن. بيْدَ أنه كان بمواهبه جوَّاب آفاق كذلك على نحو آخر. مكَّنه قلم بليغ تمدُّه مخيِّلة محلِّقة، وطَلَبٌ للعلم لا يفتر، وحسٌّ قومىٌّ أصيل. وهذه الصفةُ الأخيرةُ هى أولُ ما خَطَر لى بعد موافقتى على اقتراح الأخ الكريم السّمّاح عبدالله أن أعرض لسيرة العقاد، أو جانب من سيرته. وليستْ هذه هى المرة الأولى التى ألتفتُ فيها إلى هذا الجانب المهم في حياة العقاد أو سيرته. كانت الأولى في مشاركة لى فى احتفال بذكراه عُقد في المجلس الأعلي للآداب منذ حوالى أربعة أعوام. كانت كلمتى عن "فلسفة الجمال" عنده، وفيها تطرّقتُ إلى العلاقة عنده بين معنى "الجمال" ومعنى "الحرية"، وفيها أشرتُ إلى كراهة العقاد الشديدة للاستبداد، وشهدتُ بأني سمعتُه يسبُّ عبدالناصر سبًّا قبيحًا. وذلك شيء أثار دهشة بعض الناس وفضول آخرين؛ ماذا كان لفظ السبِّ؟ لكني لم أُرضِ فضولًا لأحد، ولا أزال مصرًّا على إبائى التصريحَ باللفظ لأنه لم يكن صريحًا فحسب، بل بلغ الغايةَ في القبح. ولستُ أحبُّ أن أكون راويًا لبذاءة. لكنْ بقى في القصة ما يُروى بلْ ما يجبُ أن يُروَى. قال العقاد ما قال تعقيبًا على إبراهيم الوردانى وهو صفحىٌّ متأدِّبٌ كان يكتب فى "الجمهورية"، التى وُجدت مع وجود النظام الجمهوريّ الجديد. وفي يومٍ من أيام سنةِ ثلاثٍ وستين وتسعمئةٍ وألف فوجئ الناس بصفحة كاملة فى "الجمهورية" فحواها أن النظام الحاكم أخطأ في سماحه للعقاد بالاستمرار في الكتابة، لأن العقاد عدو له. فكان ينبغى أن يُقصى لا أن يمكَّن. وبعد عصر ذلك اليوم جاء العقاد من شقته الأصلية إلى شقة ابن أخيه ليشرب قهوته مع تلاميذه في الندوة الخاصة حيث يكون أكثر إحساسًا بالأمن. وكان طبيعيًا أن يسأله أحدُهم ماذا ترى فيما كتبه الوردانى؟ أطرق الرجلُ برهةً يسيرةً ثم رفع رأسه كالمتنمِّر المتوثِّب وقال ما قال مما عففْتُ عن ذكره، ومما أوجِبُ ذكرَه الآن لشدة حاجتنا إلى أن نتأمَّله طويلًا. قال ما معناه: علم الوردانى أني لا أقْدر على الرد على مثل هذا الكلام، ولو كان الجو السياسى يسمح لصاحب الرأي أن يذيع رأيَه دون حرجٍ أو خوف لكنتُ كفيلًا بأن أجبرَ هذا الرجل على أن يترك البلد باختياره بعد أربع يوميات فقط في "الأخبار". ولكمْ أن تتصوّروا نصّ ما قال إذا استبدلتم "بهذا الرجل" الكلمة القبيحة المتروكة، وإذا ترجمتم بضع كلمات من اللسان العربى إلى اللسان العامى. قال العقاد نصًّا: "يعزِّلْ من البلد باختياره". والآن مطلوب منا جميعًا أن نتفكَّر: ماذا كان يمكن أن تحْويَه أربع مقالاتٍ مما يجبرُ جبَّارًا على أن يهجر ملكه باختياره. "تنبيه": كلمة "ملك" فى صفة النظام الحالِّ محلَّ النظام الملكىِّ سبقنى إليها أحمد عبدالمعطى حجازى فى مرثيته الشهيرة. معنى هذا أنا كنَّا جميعًا مملوكين، أو لنقلْ أوضح وأصرح "أرقَّاء"، وأن الذي جدَّ علينا يوم الثالث والعشرين من يوليو سنة اثنتيْن وخمسين وتسعمئة وألف لم يكن إلا استمرارًا لاستبداد سابق قاده جبَّار سابق اسمه محمد على باشا. ولدىَّ تنبيهٌ آخرُ بعدُ. فى كلمتى عن أحمد حجازى وعمود الشعر أشرتُ فى مستهلِّها إلى رحيل فاروقٍ عن مصر مطرودًا منها، وأنه كان في وداعه السفير الأمريكي "كافرى". غَمُضت الإشارة على بعض الناس. أقول موضِّحًا والمحسنُ القراءةَ لا حاجة به إلى إيضاح: إن بلادنا، كلَّ بلادنا لا مصر وحدها ألعوبة فى يد الغرب، وإن لم نعرفْ هذا ونرتِّبْ عليه المسلكَ السياسيَّ الجدير بالعارفين فنحن بلا شك فى الهالكين. وكأن هذا النذير المعلنَ الآن معلنٌ من قبلُ، ختمتُ به منذ زمن بعيد قصيدةً لى عن بيل كلينتون كان عنوانها "لا سلامٌ عليك"، قلتُ:
ألا كلُّ ما حولنا مذبحٌ ، ألا كلُّ ما حولنا مسرحُ
وأخيرًا معذرةً إن رأيتم شيئًا من التقصير فى الكلام عن الموضوع. إن سيرة العقاد -وإن تكنْ محدودة- وسَّعتها سعة أُفُقه، وكان الوفاءُ بالكلام عنها يقتضى عرضَ جوانبَ فيها متنوّعة، لكنّ الوقت لا يسمح بإدراك هذا المطلب. وعذرٌ آخرُ أن الواقع الذى نحيا فى مضطرَبه هذه الأيام مستوْلٍ بالضرورة على كل لُبّ. فلا مناصَ من الإصغاء إليه في كل ما نأتى وما نَدَع. فلما قيل لي كلمنا عن العقاد، أو عن سيرته، كان الخاطرالأول كما قلتُ سابقًا هو تلك الكلمة التى كانت حبيسةً فى صدري أعوامًا طالت والتى منعنى ضيقى بالبذاءة من ذكرها، ثم هُديت إلى ذِكْر سائرها الذي رأيتُ فيه الخيرَ كلّ الخير. رأيت فيه كيف يَمْثُل فى كلمة بصيرة جريئة عزمٌ صادق على الجهاد الصحيح، الجهادِ بمعنى الكلمة القائمِ على حُسن البصر وحُسن السياسة وحُسن الخلق.
"يعزِّلْ من البلد باختياره". هنا يجتمع الذكاء والحيلة والفضيلة. ويَعزُب الحمقُ والجهل والهمجية. هنا لا لزومَ لأن تُراقَ قطرةُ دمٍ واحدة من إنسانٍ خلقه الله فى الأصل أعجب الخلق ليحيا لا ليُذبح. هنا نحن فى غنًى عن محاكاة الفرنسيين فى وحشيتهم التى لم يزل الغرب يدعوها بالتنوير. هنا لو كان الأمر بيد العقاد عندما شبَّت الثورةُ الفرنسية لوجد الوسيلة إلى إجبار "ماري أنطوانيت" على أن "تعزِّلْ" من فرنسا باختيارها بدلًا من شنقها. ورحم اللهُ أديبنا العظيم.

الحساني حسن عبدالله

الخميس، 6 يوليو 2017

أحمد حجازى وعمودُ الشعر


أحمد حجازى وعمودُ الشعر




رَغِبَ إلىَّ الأخُ الكريمُ الأستاذُ محمود حسن أنْ أشاركَ فى اجتماعٍ أدبىّ عَقَدَهُ تحيّةً للأخ الكريم الأستاذ أحمد عبدالمعطى حجازى، احتفالًا بيوم ميلاده، فكتبتُ الكلمة التاليةَ وفاءً برغيبةِ صاحبِ "الكرمة"، ورغيبتى كذلك، ووفاءً أيضًا بمبحثٍ أراه مهمّا من مباحث النقد الأدبى كان فى نيّتى معالجتُه منذ زمن، ومازلتُ أُصْرَفُ عنه حتى جاءت المناسبة، وعَسَى أن تكون الاستجابةُ لصاحب "الكرمةِ" - شكَر اللهُ له - أولَ الغيث.
وقبل أن أبدأ أقول:
نبهنى ريبالٌ إلى شىء. أن كثيرًا من الناس تجرى على ألسنتهم عبارةُ "الشعر العمودى" فى مقابل "الشعر الحر"، وكأنهم نظروا إلى المنظر المرسوم على الورق فى الحالين. هنا تعرّجٌ، وهنا استقامةٌ شُبهت باستقامة "العمود"، وقال إنه هو نفسه كان واقعًا فى ذلك الوهم. ولذلك طلب منى المبادرة إلى التصحيح. تلك المشابهة خطأ. لأن علماءنا القدامى الذين تحدثوا فى معنى "العمود" لم يقصدوا ذلك المعنى الشكلى أو العروضى، وإنما قصدوا المعنى البلاغى، أى الصفة التى بها يجود النظم ويكون جديرا باسم الشعر، فعمود الشعر - إذن - عماده أو ما يقوم به، وهو المعنى الذى عنيته لـمَّا ذكرت الكلمة فى العنوان.
أحمد حجازى وعمود الشعر
أحمد حجازى ينظم الشعرَ منذ أكثرَ من ستين عامًا، مدَّ الله فى عمره ومتّعه بالصحة والعافية. لـمّا بلغ العاشرة كانت الحربُ العالميةُ فى نهايتها. ولـمّا بلغ السابعةَ عشرةَ بلغه معها أن الملكَ تنازل عن العرش وأن محمد نجيب تولَّى الأمر. ولم يلحظ أحمد حجازى فى ذلك الوقت، بطبيعة الحال، أعنى بحكم السنّ - وسنُّ النضج فى بلادنا تتأخر لشيوع الجهل - أقول: لم يلحظْ أن "كافرى" السفير الأمريكى فى مصر كان فى وداع الملك وهو يرحل، ولو أنه كان لَحَظَ فقد كان من العسير عليه إدراكُ الدلالة. كان الأفقُ يملؤه غبَش. ولـمّا بلغ العشرين تقريبًا غاب نجيب وتولّى عبدالناصر. ومعه بدأ الناس يحلمون، لا فى مصر وحدها، بل فى كثير من البلاد العربية. وبحكم سنة الله فى اختلاف العباد كان هناك حالمون آخرون. مختلفون، لكنهم جميعًا يحلمون. لم يكن أحدٌ يملك شيئًا، لم يكن يقْوى إلا على أن يحلم ! ومع سطوة الاستبداد اشتد الغبش. كاد الطريق إلى المعرفة أن يكون مسدودًا. ولهذا كان مقضيًّا على أحمد حجازى أن ينضمّ إلى ركْب الحالمين. الذين حسبوا أن لهم إرادة. وأعجبهم أن ينقادوا.
وجاءت سنةُ سَبْعٍ وستين، وفيها بلغ أحمد حجازى الثانيةَ والثلاثين. كان فى شرخ الشباب، فى سنّ مفترضٍ أنها سنُّ نُضج. وفى صبيحة الخامس من يونيو جاءه النبأ من الإذاعة طاويًا مصر من أقصاها إلى أقصاها بصوت أحمد سعيد مجلجلًا مدويًّا معلنًا أن الحرب التى كانت تنتظرها الدنيا كلها بدأتْ، وبدأت طائرات العدوّ تتساقط. وفى آخر النهار جاءه نبأ آخر وقَع عليه كأنه صاعقة: لقد هُزمنا.
كانت الصدمة شديدة على الناس جميعًا، لكنها كانت على الشعراء - لأنهم شعراء - أشدّ. قال أحمد حجازى مصوّرًا أساه، متسائلًا عن علة ما جرى دون أن يجد أى جواب:
. . . مَن تُرى يَحمل الآن عبءَ الهزيمة فينا،
المغَنّى الذى طاف يبحث للحلم عن جسدٍ يرتديهْ
أمْ هو الملِكُ المدّعى أن حلْمَ المغَنّى تجسّد فيه ؟
هل خُدعتُ بمُلكك حتى حسبتكَ صاحبىَ المنتظَرْ،
أمْ خُدعتَ بأغنيتى،
وانتظرتَ الذى وَعَدَتْكَ به ثم لم تنتصرْ،
أمْ خُدعنا معًا بسراب الزمان الجميل ؟!
يريدُ بالعمر الجميل العهد الذى هنِئَ فيه بالأمانىّ الأثيرة والأحلام التى زخرفتها ثقةٌ لا حدّ لها بالزعيم.
أقول قولى هذا تمهيدًا لموضوعى "أحمد حجازى وعمودُ الشعر" ولا يعجلنَّ أحدٌ فيزعمَ أن الفرق بينهما كبير. كلا، إن بينهما علاقةً وهى - فيما أرى - وثيقةٌ كلَّ الوثاقة. ولا يعجلَنّ بعدُ فيحتجَّ بكلمة الباقلانىّ قديمًا "الشعرُ بمعزِلٍ عن الدين" فإن الناقد البصير لم يُردْ إلا أن يبطل تحكيم معايير الدين فى الشعر، للدين عالمه وللشعر عالمه، ولا ينبغى الخلطُ بين العالمين. ويكفى توكيدًا لهذا المعنى أن الشافعىّ العظيم - رضوانُ الله عليه - لم يتحرّج من زيارة أبى نواس فى مرض موته، وهو ما تعرفون من سيرته السيئة. أدرك الشافعىُّ - وغيرُه بطبيعة الحال أن اللغة، شعرَها ونثرَها، هى أجْلَى معرِض للوجود السياسىّ للأمة. إن انهيار اللغة مؤذِن بانهيار الأمة كلها. والشعر خصوصًا مَنبهةٌ للناس لكونه موزونًا ولكون الوزنِ مثيرًا للوجدان. والشعر إذَنْ، وكل ما يتصل به، مسألةٌ ذات خطر. هكذا كانت قديمًا. أدرك هذا عمرُ رضوان الله عليه فى قوله الشعر ديوان العرب، وعلَّمنا مِنْ قبله أن ندركه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى استجاشته الشهيرة لحسّان، وأدركه مِن بعدهما عبقرى العربية الفذّ أبو تمام فى بيته السّيّار:



ولولا خلالٌ سنها الشعر ما درى بناةُ العلا من أين تُؤتى المكارمُ



وإذن فالشعر هو الأعلى. لهذا كان معنيًّا به مرعيًّا طَوال الحقب المختلفة للتاريخ العربى. وهو موضع عنايةٍ ورعايةٍ فى كل علوم اللغة لا فى علم العروض فقط. ونقدُه، أى البصرُ الدقيق به، علمٌ مأثور، وسيبقى علمًا مأثورًا بإذن الله ما بقىَ أهلُه مهتمين به الاهتمام الواجب.



عمود الشعر وعمادُه هو الصفة أو الصفات التى يجب أن تتهيأ له حتى يجودَ ويكونَ جديرًا بأن يقالَ له شعر. وقد حصَرها المرزوقى اللغوىُّ الكبير والناقدُ البصير فى سبعة أبواب أو عناصرَ هى: شرفُ المعنى وصحته، وجزالةُ اللفظ واستقامته، والإصابة فى الوصف، والمقاربة فى التشبيه - يعنى بين طرفيْه، والتحامُ أجزاء النظم، ومناسبةُ المستعار منه للمستعار له ، ومشاكلةُ اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية.
وبعد إجماله فصّل المرزوقى فى مسائل أترك الكلام فيها الآن لأن المقام لا يتّسع لها. لكنى أجده لازمًا أن أشير إلى تعقيبه على تلك التفصيلات. قال " . . . فهذه الخصال عمود الشعر عند العرب، فمن لزِمَها بحقها فهو عندهم المحسن المقدَّم، ومن لم يجمعها كلَّها فبقدْر سُهمته منها يكون نصيبه من التقدّم والإحسان". قال "وهذا إجماع مأخوذ به ومتّبع نهجُه حتى الآن". هذا القول يفْضى إلى نتيجة مهمة، أن ما أحدثه أبو تمام من فنّ جديد قيل فيه "إن كان هذا شعرًا فكلام العرب باطل" - داخل فى عمود الشعر. وبهذا يتأكد الإجماع أكثر.
لم يخطر على بال المرزوقى وهو يعلن إجماعه أنه سيجئ بعد أكثرَ من ألف عام عربٌ - أجَلْ عربٌ -  يخرقون ذلك الإجماع خرقًا يبدو لاتساعه أنه مستعصٍ على الإصلاح. لدىّ مثالٌ شاهد على انعكاس الحال مبيّن لمبلغ اتساع الخرق، لكنْ قبل أن أسوقه إليكم - ولا بدّ من سَوْقه حتى يتضح على نحو محدّد مُرادى من هذه الكلمة - أقول: يطيبُ لى قبلُ أن أعلنَ أن الأستاذ أحمد حجازى أحد جماعةٍ تحترم عمود الشعر، وأن احترام عمود الشعر هو الفضيلة الأولى التى يُثْنَى بها على شعر أو شاعر. أما بمَ كان الأستاذ محترِمًا لعمود الشعر فهذا ما أنا بسبيلى إلى الكشف عنه. وهذا ما أوجب علىَّ التوقف لفحص كلامٍ يقال إنه شعر. قال قائل:



التقتْ أشجارُنا بالرجْم فارتفعت على الصندوق شاهدةً :
هنالك نارُنا السّفلى مغذّاةً بأكباد النوارسِ
خطوةٌ ويصير نحْر لصْق جثته
فماذا أدْهش الروحَ
اتفقنا والضفائرُ مثقلاتٌ بالنتائجِ
هل رقابُ المبدعين رهينةٌ ؟
تدنو إلى أحداقنا الكُوّات عادلةً :
تُهرِّب للخلاءات القريبة نارَنا العليا
وتنقبض انقباض الساترين
نوافذى مفتوحة.
وعقّب أستاذ جامعىّ على هذا ‘التصويت’ قائلًا:
"أعترفُ أن هذا المقطع استغلق تمامًا على ملكة التخيّل والفهم عندى . . . فالأسطر تبدو جُملًا منفصلةً منطلقاتٍ فى اتجاهات غيرِ متجاوبة، والصورُ كأنها حُمر مستنفرة ... فالمقطع كله دالّ على ما يمكن أن تصل إليه الكتابة التلقائية إذا تحوّلتْ إلى شطح يتباعد كل التباعد حتى عن هدفه الجمالىّ [قلتُ: كأن الجمال يمكن أن يكون هدفًا للشطح !] قال: "ونماذج هذا النوع من الشطح الجمالى تجسيد لأقصى الطرَف الذى تغدو فيه الحداثة مبتورةَ الصلة بالمنطق الداخلى (الشعورىّ أو اللاشعورىّ) اللازمِ لهذا النوع من الكتابة، وإلا انقطعت إمكانات اتصاله بالقارئ".
والسؤال الصعبُ الآن الذى لابد للأساتذة "الجامعيين" أن يواجهوه هو: ما الذى هيّأَ لهذا الشطح المقرر أن يكون "ممكنًا" أو "جائزًا" ؟! - وبعبارة أخرى - ما الصفة "الخاصة" بهذا الضرب من "التصويت" التى تجيز للناقد عند وجودها فيه أن يَعدّه معيبًا ؟ جوابى هو ما قال أبو بكر رضى الله عنه عندما عُرض عليه كلام ليرى فيه رأيه قاله نبىّ كذّاب. قال: "ويْحكم، أين يُذهبُ بكم، هذا كلامٌ لا يخرج من إلّ" - أى مِن عقل. كأن أبا بكر أراد أن يقول للعرب: إن القرآن على النقيض. أعملوا عقولكم تعرفوه. وكانوا مُهيئين للتجاوب مع هذا المطلب لأنهم كانوا أهلَ شعر، أعنى أهلَ عقل. للشعر عندهم شرط أولٌ، أو حدّ أولٌ، أو عمود أولٌ هو العقل. وهذا معنى أن علماءنا القُدامى أضافوا "المعنى" فى حدّ الشعر فقالوا كما أخبرنا المرزوقى "لفظٌ موزون مقفًّى يدل على معنى" - للغة شاطئان: فى أحدهما ما هو محسوس، أى الأصوات من حيث هى أصوات، وفى الآخر ما هو معقول، أى المعنى، صادرًا - لا جَرَمَ - عن الأصوات، متلبّسًا - لا جرم - بها.
وزَحفتْ قلةُ العقل من الشعر إلى النثر، وإلّا فما هذا الذى سماه الأستاذ الجامعىّ "شطحًا جماليًّا"!؟ قولوا معى إنه كلام لا يخرج من إلّ. كلامٌ يؤلِّف بين أشياءَ لا تأتلف. وهو منهج كثيرٍ من الشعراء الآن. وأترك التمثيل تجنبًا للإطالة.
لكنى أراه مفيدًا قبل أن أختم هذه الكلمةَ أن أربط آخرها وأولها. عمود الشعر مصطلح قابل للتوسعة، فهو يصدق على الشعر صدقَه على النثر، بمعنى ما. وهو كما يصدق على الوِجدان الفردى يصدق أيضًا على الوجدان الجماعى، أى على الأمة من حيث هى كينونة سياسية متميزة بلغة خاصة وأخلاق خاصة  وآمال خاصة تتعلق - ولو أحيانًا - بأهداف واحدة. والمسألة - أو المسائل - اللغوية إذَنْ ليست بعيدةً عن المسألة - أو المسائل - السياسية. مطلوب من الشاعر أن يعرف مهمته فى هذه الدنيا الصعبة. وإذا رأى "العامَّ" فلا ينبغى له أن يستمرئ الإقامة هناك، بل عليه أن ينزل من عليائه ليرى صعوبات الدنيا على حقائقها. أو - بعبارة المتنبى - أن يعرف الأيام والناس. أو - فى كلمة واحدة - أن يَعقل. وهذا هو الدرس القديم والعظيم الذى علَّمنا إياه الشنفرَى:



لَعمرُكَ ما فى الأرض ضيقٌ على امرئٍ سرى راغبًا أو راهبًا وهْو يَعقلُ



ولدينا كذلك درس آخر عظيمٌ، لكنه حديثٌ، نتعلمه من أحمد حجازى، الذى لا شك عندى فى أنه يَعقل. والدليل عندى، وينبغى أن يكون عند غيرى كذلك، أنه محترِمٌ لعمود الشعر. أَبَى أن ينقاد للموجة الجارفة التى انحرفت بالشعر الحديث انحرافة مؤذيةً للشعر، مؤذيةً للعقل العربى، مؤذيةً للوجود السياسىّ العربىّ كلِّه، ولم يُزعجه الإزراءُ بما سُمّى "العقلانية" إعلاءً لما سُمّى حينًا بالرؤية الماركسية وحينًا بالرؤية السيريالية، وحينًا بالكتابة التِّلقائية، إلى غير ذلكمْ من أسماء ودعاوَى ما أنزل الله بها من سلطان.
واضحٌ - على الأقل عندى - أن الشعر العربى فى مأزِق، وأن اللغة العربيةَ فى مأزِق، وأن السياسة العربية فى مأزِق، وأن هذا كلَّه قريبٌ من قريب. ولقد خبَر أحمد حجازى هذه المآزق كلَّها، شعرُه دال على الخبرة المتنوعة، ونثرُه كذلك دالّ. بل ربما كان النثر أحيانًا أدلّ. وهو إذَنْ مُهيَّؤٌ لأن يتابع مسيرته وأن يجيئنا بما هو أجْدى وأنفع. وإن كان خُدع مرةً، كما قال، فإن لديه من الحصافة ما ينأى به عن أن يُخدعَ مرةً أخرى، وقاه الله الزلل، ومدَّ فى عمره، ومتعه بالصحة والعافية.

الحسانى حسن عبدالله

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015

حصار



حصار

صَاخِبٌ كلُّ شىءٍ ، ولا مُسْتراحَ ، كأنَّ الهديرَ مَعِى يَقْطُنُ

وَدَعَتْنِى المآذِنُ ، لكنَّ رُوحِىَ مِنْ عَصْفِ أبْواقِها تَشْطُنُ

وَسُئِلْتُ فحُوصِرْتُ كَيْلا أُفَكِّرَ : أَلدِّينُ أَبْقَى أم المَوْطِنُ

والإِذاعَاتُ تَدْوِى ، ويَزْعَقُ ناسٌ بلا مُوجِبٍ ، طَنْطِنُوا ، طَنْطِنُوا

وَسْطَ هذا الضَّجيجِ هُدوءٌ يُفكّرُ كَيْفَ نَموتُ ولا نَفْطُنُ

كيف نُذْعِنُ شيئًا فشيئًا لأَنْ يَطْرُدَ المالِكَ الأَرْضَ مُسْتَوْطِنُ

وَنُحِسُّ كأنَّ امْرَأَ القَيْسِ حينَ نُطَالِعُ دِيوانَهُ يَرْطُنُ

وكأنَّ جَلابِيبَ أَبْناءِ يَعْرُبَ – وَهْىَ مُعَطَّرَةٌ – تَعْطُنُ

ضَلَّ يا خَارِجينَ على الحَاكِمينَ مُبِينٌ لنا غيرَ ما يُبْطِنُ

فَلْتكونوا رِجالاً رِجالاً وكُونُوا ملائكةً بَعْدُ أَوْ شَيْطِنُوا

كُلُّنا فى الهَوانِ سَواءٌ ، فإنْ شِئْتُم الهُونَ أَضْخَمَ فاسَّلْطِنُوا

وَطَّنَ النَّفْسَ آبٍ على أنْ تَعِزَّ ، فَيَا أَدْعِياءَ العُلاَ وَطِّنُوا


الحسّانيّ حسن عبد الله